عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

31

معارج التفكر ودقائق التدبر

خاتمة رسالاته للنّاس أجمعين ، جعل رسوله محمّدا خاتم الأنبياء والمرسلين ، وجعل كتابه الّذي أنزله عليه خاتمة كتبه للنّاس أجمعين ، وإذ كان هذا الكتاب آخر كتبه للنّاس ، كان من الحكمة السّامية أن يحفظه من النّسيان والتّغيير والتّحريف والتّبديل والزّيادة والنّقص ، فتدخّل قضاؤه وقدره بتهيئة وسائل حفظه بين النّاس ، ولو عن طريق إرادات عباده المؤمنين ، ولم يفعل مثل هذا الحفظ في النّاس لكتبه السّابقة ، لأنّه لم يشأ أن يجعلها ذكرا للنّاس أجمعين ، حتّى آخر أجيال النّاس في الأرض . * قول اللّه تعالى خطابا لرسوله : * وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ ( 10 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 11 ) : * شِيَعِ : جمع « شيعة » وهم القوم أو الجماعة من الناس الّذين يجتمعون على أمر ما - وكلّ قوم أو جماعة لهم أمر واحد هم متّفقون عليه ، أو لهم مذهب واحد يسيرون عليه ، أو لهم طريقة واحدة يتّبعونها ، ولو لم يناصر بعضهم بعضا ، ولو لم يكونوا في زمن واحد . والمراد بعبارة : شِيَعِ الْأَوَّلِينَ جماعات الكفر والشّرك الّذين أرسل اللّه لهم رسلا من أهل القرون السّالفة ، فاستهزؤوا بهم . في هاتين الآيتين تسلية للرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، في مقابل ما لقيه من استهزاء كبراء مشركي قومه ، إذ كبر في نفوسهم أن يكون رسولا لكلّ العالمين ، وأن يكون كتابه الّذي يتلوه عليهم ذكرا لكلّ العالمين حتّى آخر أجيال الناس في الأرض . فأبان اللّه له أنّه ما من رسول من قبله إلّا كان كفّار قومه يستهزئون به وبدعوته ، فهذا هو سلوك كفّار النّاس جميعا مع رسل ربّهم . قول اللّه تعالى :